عبد الكريم الخطيب
436
التفسير القرآنى للقرآن
واللّجأ إلى اللّه إنما هو ممن يجئ بعدهم ويخلفهم من ذريتهم . . إذ أن هلاك الهالكين وإن كان عامّا شاملا ، إلا أن هناك بقية باقية ، من حواشي القوم ، المنتشرين هنا وهناك بعيدا عن المجتمع ، كما أن هناك أعدادا قليلة من المؤمنين ، الذين نجاهم اللّه من هذا البلاء . . . فهؤلاء وهؤلاء هم البقية الباقية من القوم ، وهم الذين ينبت منهم وينمو ، هذا الجيل الذي يخلفهم . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى : « ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ » . . أي أن اللّه سبحانه وتعالى قد رفع هذا البلاء الذي نزل بالسّلف ، وجعل مكانه نعمة وعافية تلبس الخلف ، ليكون في نعمة اللّه عليهم ، حجة بين يدي الرسول الذي يجيئهم ليدعوهم إلى اللّه ، وليلفتهم إلى فضله عليهم كما قال هود لقومه ، وهو يدعوهم إلى اللّه : « وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » وكما قال صالح لقومه : « وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ » . . فهذه النعم التي يلبسها الخلف ، بعد النقم التي حلّت بالسلف ، هي حجّة بين يدي الرسول ، يذكّر بها قومه ، ليذكروا ما كان للّه عليهم من فضل ، وأنه لم يأخذهم بما جنى آباؤهم . . وقوله تعالى : « حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ » إشارة إلى أن اللّه سبحانه وتعالى قد أمهل هذه البقية الباقية من القوم الهالكين - أمهلهم حتى « عفوا » أي نموا ، وكثروا ، ومسّتهم العافية . . فالعفو أصله من العافية ، التي يتبعها النماء والزيادة ، كما جاء في قوله تعالى : « وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا